ليست حياة المرء إلا مجموعة من الأحداث الخطيرة والحقيرة، جرت في أيامه ولياليه، يحسب أنها مرت مرور الكرام ولكنها في الحقيقة حددت له مسلكا بين الناس لا يكاد ينفك عنه كماء السيل حين تتفرق به الشعاب وهو لا ينفك عن الجريان فإذا دخل مزرعة الفلاح أخذ يسوسه بفأسه ليجريه من هنا ومن هنا..
أقول هذا الكلام وأنا مستقبلٌ مفصلاً جديداً في حياة إنسان عادي بلغ الثلاثين من عمره الآن لينتقل من مرحلة (ما قبل الابتعاث) إلى مرحلة (يوم أن كنت في كندا) ليعود بعدها -إن كتب الله في العمر بقية- إلى مرحلة (ما بعد كندا)..
هذه الانتقالات المرحلية تمر على المرء كجزء روتيني من حياته لا يلقي لها بالاً، يحتفل حين يدرس وحين يتخرج وحين يتزوج وحين ينال منصباً.. يحزن حين يفقد حبيبه أو يترك بلده أو ينتقل عن بيته.. وهو بين هذه الأفراح والأتراح يتكوّن خلقاً من بعد خلق ولكن بكل هدوء..
الأسبوع القادم سأكون هناك، والآن تتجاذبني رغبات البقاء وتطلعات المستقبل فلم أزل أتأمل في حالي وما تعلقت به من حب الأهل والوطن وما أنا ساعٍ إليه من زيادة دنيا تكلّفني أهلي وأحبابي وبلادي ولكنها سنّة الله العظيمة حين لم يخلق شرّاً محضاً ولا خيراً محضاً ليبلونا أيُّنا أحسن عملا وليس ثمة شهد من دون إبر النحل..
أدرت البصر حولي فلم أجد أحدا إلا ويركض، قد جعل طول الأمل أمامه وذكر الموت من ورائه فهو كما قيل يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا وقليل من يعمل لآخرته كأنه يموت غدا.. فطغى حب البقاء على العلم بالفناء فاهتزت موازين العدل واضطربت النفس وتكدر صفاء الروح..
ما أصعب ضبط هذا الميزان وما أشقه وأمنعه و (ويل للمطففين)، أن تتكلف طلب الدنيا على حساب الآخرة، وتتمسح بأعذار وأسباب تسوّغ بها تطفيفك، وتعتذر بها لنفسك..
أأترك بلاد التوحيد والأذان والشريعة المحكمة والفطرة الناصعة ولو كان فيها ما فيها من ضلالة، إلى بلاد الكفر القاصية والفتنة الظاهرة والفطر المتلوثة ولو كان فيها ما فيها من هداية؟؟!!
أنا أسافر الآن ولم أستطع لهذا السؤال جواباً، تماماً كما كنت قد فعلت حينما دخلت كلية الطب قبل أكثر من عشر سنين فتنازعتني الرغبة بين علم الأديان وعلم الأبدان فاخترت الثاني؛ فقط لأني تخرجت من العلمي.
أما الصبر على مكاره الغربة فليس لي منه بدٌّ وقد قيل: بالصبر على مواقع الكُرْه تُدرك الحظوظ..
اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل..