لأني أريدك أن تستمع بهذه التدوينة لأقصى حد فإني أرجو أن تقرأها وأنت هادئ البال ومرتاح الأعصاب..لكي تتحفني بإضاءة مشرقة..
أبدأ بهذا اللغز الأخلاقي:
- في غرفة الطوارئ أربعة أشخاص سيموتون إن لم يتبرع لهم أحد بكليتيه وقلبه وكبده.. بينما هم في انتظار الفرج إذا بأحد الأطباء يعزم أخذ شخص صحيح رغما عنه لينقذ حياة هؤلاء الأربعة فبموت شخص واحد ويعيش أربعة!!
هل ستوافقه على ذلك؟!!
اللغز الثاني:
- كنت أنت واقفا على مفترق سكة قطار سريع وإذا بك تلاحظ أنه متجه إلى المسار الأيمن حيث يقف في طريقة أربعة أشخاص فأردت أن تنقذ حياتهم بتغيير مسار القطار إلى اليسار ولكن هناك شخص واحد يقف في مسار القطار..
هل ستغير مسار القطار أم لا؟؟!!
ماهي إجاباتك؟!!
إن كنت من غالبية الناس فإنك ستجيب بـ (لا) للحالة الأولى وبـ (نعم) للحالة الثانية..
ويؤسفني أن أقول لك أن الحالتين متشابهتين إلى درجة يفترض أن تكون إجابتك واحدة..وسأبين لك ذلك..
في الحالة الأولى لم توافق على سلب شخص ما حقه الشخصي في الحياة لكنك في الحالة الثانية فعلت وبلا تردد!!
بأي حق تسلب حياة إنسان برئ من أجل أن تنقذ حياة أربعة أشخاص وقفوا على سكة قطار متحرك؟؟!!
مفهوم الحقوق الشخصية يرتكز على مصالح الفرد بغض النظر عن تبعاتها على المجتمع..هذه الحقوق متنوعة وكثيرة منها حق الحرية -أي عدم الاستعباد- وحق الحياة وحق التعبير عن الرأي وحق التعليم وحق الرعاية الصحية الخ من الحقوق الإنسانية أو البشرية أو الشخصية سمها ما شئت..
طبعا لا أحد يشك في أن الإسلام راعى هذا المفهوم برعاية خاصة ووضع له أطرا عامة وخاصة منها (كلكم لآدم وآدم من تراب) كدليل على المساواة المبدأية بين كافة أجناس البشر لافضل لعربي على عجمي لكنه أطرها بالتقوى!!
في العصر الحديث يعتبر أبرز حدث سياسي وأخلاقي لهذا المفهوم هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته هيئة الأمم المتحدة عام 1948م والذي يعزز بمواده الثلاثين الحقوق الشخصية للجنس البشري ووقعت عليه جميع دول الأمم المتحدة..
هذا الميثاق يحتاج طبعا قراءات مستقلة لست بصدد الحديث عنها هنا لكني أدعو جميع زواري إلى الإطلاع عليه والتمعن فيه بعين الناقد البصير..
مع كل هذه الحقوق التي منحت للإنسان يأتي السؤال الملح والأخطر: من أين استحق الإنسان كل هذه الحقوق؟ وهل تتقاطع أو لاتتقاطع مع المتطلبات الاجتماعية؟
من النظريات القديمة في هذا الموضوع نظرية الحق الطبيعي المنبثق من القيم البشرية والمعتقدات الدينية بل والتركيبة البيولوجية للإنسان بغض النظر عن تطور القوانين أو اختلاف التقاليد..
نظرية أخرى تفترض أن هذه الحقوق جاءت من مبدأ الاحترام وتعني أن الشخص يعامل الآخرين كما يريد منهم أن يعاملوه..
كما أن هناك نظريات وتبريرات أخرى أعرضت عنها خشية الاطالة..
كأني بك تسأل وماذا بعد كل هذا؟!!
أغلب الناس يتصرفون بعفوية مطلقة ويعيشون الحياة برتابة مملة وحين نفهم هذه العلاقات البشرية الدقيقة بنور من الإسلام فإني أظن أننا سنحسن التصرف مع عباد الله ومع أنفسنا ونمنح علاقتنا المتنوعة بعدا آخر يجعلها تسير باتزان وتنمو بصلابة وتحيا ببساطة معقدة..